الشنقيطي

289

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المسألة الثّالثة - أطلق جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على الجناية الأولى في قوله : بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ والجناية الأولى ليست عقوبة ؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين . ومن أساليب اللغة العربيّة المشاكلة بين الألفاظ ؛ فيؤدّي لفظ بغير معناه الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به في الكلام ؛ كقول الشاعر : قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه * قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا أي خيطوا لي . وقال بعض العلماء : ومنه قول جرير : هذي الأرامل قد قَضَيتُ حاجتها * فمن لِحَاجة هذا الأرمل الذّكر بناء على القول بأنّ الأرامل لا تطلق في اللّغة إلا على الإناث . ونظير الآية الكريمة في إطلاق إحد العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ الآخر - قوله تعالى : * ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ [ الحج : 60 ] الآية ، ونحوه أيضا . قوله : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشور : 40 ] مع أنّ القصاص ليس بسيّئة وقوله : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [ البقرة : 194 ] الآية ؛ لأنّ القصاص من المعتدي أيضا ليس باعتداء كما هو ظاهر ، وإنّما أدّ بغير لفظه للمشاكلة بين اللّفظين : قوله تعالى : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ الآية . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه صلى اللّه عليه وسلم مأمور بالصّبر ، وأنّه لا يمتثل ذلك الأمر بالصّبر إلّا بإعانة اللّه وتوفيقه ؛ لقوله : وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وأشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع . كقوله : وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ( 35 ) [ فصلت : 35 ] ، لأنّ قوله : وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ الآية ، معناه أنّ خصلة الصّبر لا يلقّاها إلّا من كان له عند اللّه الحظّ الأكبر والنّصيب الأوفر ، بفضل اللّه عليه ، وتيسر ذلك له . قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ( 128 ) [ 128 ] . ذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه مع عباده المتّقين المحسنين . وقد تقدّم إيضاح معنى التّقو والإحسان . وهذه المعيّة بعباده المؤمنين ، وهي بالإعانة والنّصر والتّوفيق . وكرّر هذا المعنى في مواضع أخر ، كقوله : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ( 46 ) [ طه : 46 ] ، وقوله : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ [ الأنفال : 12 ] ، وقوله : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] وقوله : قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ( 62 ) [ الشعراء : 62 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وأما المعيّة العامّة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامّة والعلم ، ونفوذ القدرة ، وكون